السبت، 1 يونيو 2019

بانوراما التجريف في ظلال عورة الحاكم.


بانوراما التجريف في ظلال عورة الحاكم
بعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد طفت على سطح الإعلام العربي عبارة رددها الكثيرون مفادها أن لا حرباً بلا مصر ولا سلاماً من دون سوريا، حسناً لقد فعلت العبارة فعلها في اللاشعور الجمعي العربي فقد وطنت اليأس بشكل قاطع في نفوس أعداء (إسرائيل) فمصر خرجت من المعادلة وسوريا غير قادرة لوحدها على الحرب. لم يكن المحللون السياسيون في تلك المرحلة على دراية مطلقاً بهوية الأنظمة العربية والجيوش العربية المصنعة أساساً وفقط لقمع الشعوب العربية كما سيتضح لاحقاً، في واقع الأمر ليس فقط المحللون السياسيون وأيضاً غالبية العامة والمثقفون من الناس لم يكونوا على دراية بهذا الأمر. وأما القلة القليلة من أصحاب البصيرة فقد كان يُنظر إلى تحليلاتهم على أنها تخاريف غيبية.
حسناً. إذا أخذنا بعين الاعتبار أن الحروب في المنطقة برمتها تنحصر بين إسرائيل وبين العرب على هامش القضية الفلسطينية التي تاجر بها كل الحكام العرب. فإننا نستطيع القول أن إسرائيل بجبهة وبقية العرب في الجبهة المقابلة، وإذا أخذنا بعين الاعتبار أيضاً أن إسرائيل قد استطاعت تدجين الأنظمة العربية إن لم نقل صناعتها بالكامل فهذا يعني أن أعداء إسرائيل هم الشعوب حصراً، وفي واقع الأمر لم تخش إسرائيل الجيوش العربية مطلقاً، وكل خوفها كان من هذه الشعوب ، وعلمياً الشعوب كتل عمياء لاتخضع حركاتها لمنطق رياضي يمكن التكهن به ولذلك لا يمكن ضبطها إلا بنظم دكتاتورية صارمة ولفترات زمنية محدودة وإن طالت في بعض الأحيان، وعندما نقول صارمة فهذا يعني تحويل أجزاء كبيرة من هذه الكتلة إلى أدوات تسهم مساهمة فعالة في عرقلة الحركة العامة للكتلة بحيث تبقى في دائرة الإذلال أطول فترة ممكنة، لكن في نهاية المطاف سيشكل تحرك هذه الكتلة خلخلة عظيمة لبنية النظام الدكتاتوري وستسقطه بكل تأكيد.
في هذه الحالة ما الذي يمكن أن تصنعه (إسرائيل) قائدة الجبهة الثانية وهي على قناعة تامة بضرورة تفكيك عدوها الأساسي. ستجيب دوائرها الاستخباراتية عن هذا السؤال الجوهري. كيف يمكن لنا أن نفتت شعباً كاملاً؟ لقد سبق وأن كانت تجربتهم مع الشعب الفلسطيني سنة 1948 تجربة ناجحة ساعدهم في ذلك حكومات العالم والأنظمة العربية قاطبة، إن لم يكن بشكل مباشر فبأشكال مختلفة، وساعدهم على ذلك أيضاً ضعف الدول العربية وانتشار الجهل فيها. فإذاً أمام انتفاضة الشعب السوري في 2011 كانت إسرائيل أمام لحظتها التاريخية المنتظرة ساعدها المدعو أوباما رئيس الولايات المتحدة الأمريكية  وقائد حركة ( أصدقاء سوريا ) بتصنيع حالة الحرب الدائمة وإبقاء الوضع في إطار اللامنتصر  ومنذ بداية الحل العسكري التي قادها بداية بشار الأسد  بدأت تظهر ملامح التجريف البشري بغية تحويل الأكثرية إلى طائفة بداية في ريف درعا والآن في إدلب مروراً بكل المناطق التي ركبت الباصات الخضر باتجاه الشمال ، وكانت الفصائل الإسلامية والدول العربية الداعمة لها خير عون وسند لبشار في تنفيذ هذا المخطط، فتحت الأردن ولبنان وتركيا والعراق بشقيها العربي والكردي الحدود واستقبلوا المهجرين قسراً بفعل الصواريخ والبراميل المتفجرة ونيران الميليشيات الإيرانية، وفي المقابل تم على الأرض اختزال الثورة بكلمة المعارضة واختزال الثوار بمصطلح المجاهدين حيث تم تهميش كل صاحب فكر وموقف نظيفين وإفساح المجال لكل إمعة أن يقود فصيلاً أو حركة، واستطاعت المنظمات الإغاثية ربط المواطن البسيط بسلة الإغاثة كي يسهل عليه التخلي عن أرضه في ظل انعدام الأمن والأمان على مستوى الجسد وعلى مستوى الغذاء. وتحول الصراع من صراع شعب مع نظام دكتاتوري إلى صراع دول تتقاسم الكعكة السورية فتركيا تريد حزاماً عربياً يفصلها عن الأكراد وإيران في مناطق سيطرتها تريد حزاماً شيعياً يفصلها عن السنة وروسيا تريد لقواعدها وشركاتها حزاماً أسدياً يفصلها عن السنة أيضاً وأضحت الأكثرية طائفة مثلها مثل بقية الطوائف بعد تهجير ما يقرب من نصف السكان تماماً وقتل أكثر من مليون إنسان وتدمير أكثر من 60 بالمئة من منازلهم.
المعارك الجارية اليوم في أرياف الشمال لا يمكن بحال من الأحوال تسميتها معارك فالمعركة تقتضي وجود قوتين متصارعتين أما على أرض الواقع فالقوتين هما طائرات روسيا والأسد من جهة والشعب الأعزل في البيوت من جهة ثانية وقد بدأت بسياسة الأرض المحروقة التي تشتهر فيها روسيا مبتدئة بالقرى القريبة والمدن بغية تهجير بقية الناس منها وقد تجاوزت طلعات الطيران فيها خلال شهر ونصف إلى ما يزيد عن ستة آلاف طلعة طالت خان شيخون والمعرة وسراقب وأريحا وقراهم، أما الجهة الوحيدة المحتملة للنزوح فلم يتبق غير مناطق اعزاز وعفرين وبقية المناطق الخاضعة للسيطرة التركية وذلك بعد طرد الكرد منها والاستيلاء على أرزاقهم.
بذلك يكون الشعب السوري قد لحق بأخيه العراقي في عملية التفكيك والوصول بهاتين الدولتين (سوريا والعراق) إلى مصاف الدول الفاشلة.
أمام هذا الوضع المؤامراتي ستجد من سيتنطع ويتهم هذه السطور بالوقوع في فخ نظرية المؤامرة مؤمناً تماماً أن الإمبراطور يرتدي ثياباً غاية في الجمال مكذباً عينيه التي تتمعن وتطيل النظر إلى عورته المفضوحة، مندهشاً في سره من طول خازوق سيده، وسيرسم أسفل البسطار سماء زرقاء وأشجاراً وأنهاراً، وينام مطمئناً تحت سقفه هذا مستمتعاً بتجانسه وذله وخنوعه. في الوقت الذي يضع فيه الإسرائيلي ساقاً على ساق مستمتعاً بإنجازه العظيم فقد استطاع أن يصنع شعباً متجانساً غير قادر على الفعل لمئة عام قادمة حيث تنتظره موجة عنف جديدة.
أما اليوم وفي ظل هذا الهولوكست الجاري في سوريا فأعتقد أن أي صورة حل لن تكون إلا بعد أن تصل أعداد المجنسين الجدد في سوريا نسبة وازنة عندئذ ستتدخل الأمم المتحدة وتوقف القتل وتُجري انتخابات نزيهة يفوز بها بشار الأسد لولاية جديدة.... عند هذه النقطة بالذات سيكون عدد شهداء سوريا قد اقترب من 2 مليون قتيل. و1مليون مفقود. و15 مليون مهجر حيث في هذه اللحظة فقط يخلو لكم وجه أبيكم وتنعم روسيا وحليفها بإعادة الإعمار.
عبد الرحمن حلاق
رابط المقال على موقع حرية برس :
https://horrya.net/archives/106390?fbclid=IwAR3LfgSD4GiIbgIzrJRLyerjgdHywxjvmdTvg85E2-QFqTKabPmC69tNEa0

الأربعاء، 28 نوفمبر 2018

رسالة مفتوحة إلى الصديق كوكب حمزة


رسالة مفتحة إلى الصديق كوكب حمزة.




ليست رسالة عتب كما أنها ليست رسالة لوم إنما هي كلمات من قلب شعر للحظة أن يداً معدنية تعصر قلبه وعندما نظر صاحب القلب إلى وجه صاحب اليد وجده أحد الأصدقاء الأعزاء جداً.
أحببت كوكب حمزة كثيراً في أول لقاء جمعني به عند الصديق الأجمل إسماعيل فهد إسماعيل ، كان ذلك قبيل سقوط طاغية العراق صدام حسين حيث كانت الكويت تستقبل يومها الكثير من وجوه المعارضة العراقية خاصة ممن كانوا قد حصلوا على جنسيات أوربية وتزايد هذا الأمر بعد سقوط بغداد . في تلك الأيام كان إسماعيل فهد من حيث كونه ( صاحب النصيفة  ) _فنصفه عراقي والنصف الثاني كويتي_ يلعب دور الوسيط دون تكليف رسمي لتطبيع العلاقة بين الشعبين الكويتي والعراقي، في تلك الأثناء كان العراقي صاحب حلم، كان ضحية استبداد وكان ينجذب إلى من يناصره تماماً كما نفعل نحن السوريين اليوم.
يومها غنى كوكب ياطيور الطايرة بصوته وتلك حالة نادرة أن يغني كوكب وهو من يحمل على كاهليه إرث العراق الغنائي، فثلث الأغاني العراقية التي كنا ومازلنا نستمتع بها كانت من ألحانه، ومع توالي لقاءاتي به في الأعوام التالية في بيت إسماعيل أو في مكتبه أو في دمشق ذات أمسية من أمسيات بيت القصيد كانت محبتي لكوكب تتعزز وتزداد حتى في لقاءاتنا الأخيرة في الكويت العام الفائت كان كوكب يزداد قرباً من القلب ، لماذا كنت تقترب من القلب كثيراً ياصديقي؟
أحببتك ملحناً، أحببتك صديقاً ثائراً ضد الظلم والتخلف، أحببتك عراقياً في وقت تخلى الكثير من العراقيين عن عراقيتهم، أحببتك باحثاً عن الجمال في عالم يسوده القبح. أحببتك محباً لسوريا بل عاشقاً لها.
في آخر سهرة في بيت الصديقة حنان الغربي أتيت بك من بيت صديقنا الأجمل إسماعيل الذي حذرني من التدخين بحضورك وأخبرني بمدى مرضك الجسدي، وقد عملت بتحذيرات أبي فهد، حكيت لي في الطريق عن رحلتك إلى سوريا وزيارتك لحبيبة قلبك اللاذقية ومنها إلى مدينة الجميلين ( السلمية)، في السهرة عبرت لي عن شوقك لسوريا حتى أشعرتني أنك سوري ، عبرت لي عن رغبتك العارمة بأن تقضي أواخر أيامك في دمشق وعن قرارك بالعودة إلى دمشق في تلك اللحظة بالذات لم أشعر بك عراقياً شعرتك شآمياً من دمي ولحمي. لكني قلت في نفسي يستطيع الذهاب إلى وطني المحتل دونما خوف فهو في نهاية الأمر عراقي، لن تعتقله مخابرات طاغية الشام ولن يتعرض له أحد بأذى ولا ضير أن يتعافى من مرض الحنين الذي سيقضي عليّ أنا السوري ذات يوم. وذهبتَ. واستقبلتْكَ دمشقُ  وربما شعرتُ أنا بشيء من الطمأنينة عندما استقبلك أخو الشهيد الشاعر والروائي الجميل والذي بكل تأكيد يعرف من اغتال أخاه في بيته بعيداً عن رواية مخابرات طاغية الشام. هل تعافيت يا صديقي من مرض الحنين؟ وهل تلاشت أشواك الشوق من قلبك؟ هل شممت ريح دمشق فارتد إليك بصرك؟ فقميص دمشق يا صديقي كقميص يوسف، الفارق فقط أن يوسف لم يكن في الجب عندما شمّ أبوه قميصه في حين أن دمشق ماتزال غارقة في مياه الجب الآسنة. فلماذا استبدلت بصيرتك ببصرك؟ ولماذا مددت يدك المعدنية من شاشة طاغية الشام لتعتصر قلبي؟ هل صدقتهم حقاً عندما قالوا لك أنت (أعز الناس)؟ سأخبرك بسر صغير ياصديقي أظنك تعرفه أكثر مني. هم لم ينظروا إلى كوكب حمزة الملحن فالغناء لا يعنيهم في شيء وأنت تدرك هذا، وربما عرفت المذيعة كوكب حمزة فقط من خلال جوجل أثناء إعدادها للبرنامج وعرفت أنك الملحن المشهور، قبل ذلك أنت بالنسبة لهم أحد العراقيين الذين أسهموا ببقاء طاغيتهم على كرسيه هم فقط يتملقون مجموعة الميليشيات التي باتت تحتل جانباً كبيراً من البلد، البلد الذي اضطرك شبيهه للهجرة، البلد الذي أجبر أشباهك من أبنائه للهجرة وعرضهم لكل أنواع القتل.
أذكر أني وقفت موقفاً حازما من زيارة رغدة وأمثالها للعراق، واذكر مواقف أحرار العراق من هذه الزيارة فهل كانت رغدة وأصحابها على حق في حينها أم أن لك رأياً آخر في سؤال البصيرة؟
تبقى سوريا بلدك ياصديقي لكن مكانتك تجدها في قلوب السوريين وليس على شاشة طاغيتهم. يؤلمني كثيراً أن يكتب التاريخ أن كوكب حمزة كان من أوائل المطبعين مع نظام القتل والإجرام.
يؤلمني كثيراً أن أراك على شاشة كانت وما تزال لسان حال القتلة والمجرمين، هم بحاجة أمثالك من النبلاء لتبييض صفحتهم ، هم بحاجة ماسة لأمثالك من الشرفاء كي يزيد رصيدهم قليلاً بين البشر أما أنت فما حاجتك إليهم؟ وأنت الزاهد بالإعلام والشهرة. ماحاجتك إليهم وأنت الغني بما لديك من رصيد إنساني وفني. يؤلمني كثيراً ياصديقي أن تحتفل بك شاشة طاغية كانت وماتزال أداة جريمة بيد مجرم . أما رأيت بعينك وأنت تدخل ردهات المبنى آثار الدماء وأشلاء القتلى ؟ أما تعثرت بجثة أخي وطفلته ومليوناً من الشهداء وأنت تخطو باتجاه الاستديو؟ كيف استطعت العبور إلى الكاميرا وسط ركام مئات آلاف البيوت المهدمة على ساكنيها؟ وعندما خرجت من المبنى ألم تمنح السماء التفاتة صغيرة كي ترى بأم عينيك ملايين الطيور الطايرة وهي تهرب من الموت؟
كل ما أرجوه وآمله ياصديقي ألا تقول لي في لقائنا القادم _إن صدف وحدث_ أن السوريين هم من دمر البلد وأن جيش النظام قد حافظ عليه من التقسيم وأن الثورة ثورة إرهابيين لأنك إن فعلت سأؤمن حقاً أن الفن يمكن أن يكون مخادعاً وأن النخب الثقافية يمكن أن تكون بألف وجه وسأعترف أني ضحية تقية وأن من كنت أسميه صديقي ليس أكثر من يد معدنية باردة تتخفى بقفاز حريري ناعم، تحينت فرصتها لتستمتع بعصر قلبي.
عبد الرحمن حلاق
رابط المقال على موقع حرية برس :
https://horrya.net/archives/83064?fbclid=IwAR2Ia7lHrdVV3IdDPaWh3ys36lr1lgF5X2Gj7v40fI4euN-YP8GLqOkiYXQ

الثلاثاء، 13 نوفمبر 2018

أوهام الخلافة الإسلامية




اعتقد كثيرٌ من المسلمين على المستوى الشعبي وجميع الفصائل الإسلامية على المستوى العسكري بأن الطريق إلى دولة إسلامية تعيد أمجاد الماضي بات سالكاً، فالأمر ممكن من وجهة نظرهم فيما لو أخلصوا النية وأخذوا بالأسباب وأعدوا ما استطاعوا من قوة تمكنهم من ذلك، مستندين إلى مجموعة نصوص قرآنية تساعدهم على تشكيل حشد واسع من المجاهدين الذين ينتظرون جنة الله بعد الشهادة، وليقطعوا ألسنة المرجفين والمحبطين تراهم يعقدون المقارنات بين حال العرب والفرس والروم في ذلك الزمن بحالهم اليوم مع أمريكا وبقية دول الغرب. متجاهلين تماماَ تغيرات الظرف التاريخي وتقدم العلم والتكنولوجيا، غير عابئين بما تم انتاجه من أسلحة ذكية وأخرى قادرة على تدمير الأرض ثلاث عشرة مرة، والأهم من كل ذلك غير مدركين للمواقف الحقيقية للمنظومة الدولية التي فاجأت توقعات الجميع بتخليها عن مجمل المفاهيم الأخلاقية الإنسانية. وما بين انسياق البسطاء لهذا الوهم وبين تخطيط خبثاء العالم لتدمير الثورة السورية عبر صناعة عدو متطرف ضاعت أرواح أكثر من مليون إنسان وتهجر أكثر من عشرة ملايين إنسان مع دمار شامل للأرض وما عليها، هل كان كل هذا الخراب ضرورياً ليقتنع عامة الناس أن استعادة المجد التليد وهم لا أكثر، وأن الأمر برمته لا يغدو أكثر من كونه شعاراً الهدف منه التحشيد والتجييش فقط، ولو أن الفصائل الإسلامية وأصحاب الفكر الجهادي كانوا بالفعل إسلاميين وبالفعل يريدون إعادة مجد الأمة الإسلامية لكانوا في الحد الأدنى تكاتفوا لتشكيل جيش واحد بقيادة واحدة، وبأهداف واحدة.
منذ سنوات الثورة الأولى وألسنة الشرفاء تطالب بتوحد الفصائل ولكن لا حياة لمن تنادي، فالقادة لا يستطيعون التخلي عن موارد المال خاصة وأنهم اكتشفوا مبكراً ما تدره هذه الثورة من خير عليهم فتشبثوا بمواقعهم واستبدلوا كلمة ثائر بكلمة مجاهد وكلمة مقاتل بكلمة مرابط ولم يعترضوا على تسمية من هم ضد الاستبداد بالمعارضة بدلاً من ثوار، ولم يتوانوا عن تصفية الشرفاء بينهم ومع كل ما عاينه الناس من شرورهم إلا أن لا أحداً من هؤلاء الناس أراد تغيير الواقع الجديد أو الاعتراض عليه فظل بسطاء الناس مقتنعين بفكرة تحكيم شرع الله  وأن هذا التحكيم هو سبيل نجاة دون أن يفكر أحدهم للحظة بخطر تعدد هذه الفصائل بل إن الكثيرين التمسوا لها المبررات التي لا تقنع أحداً، خاصة وأن هذه الفصائل كانت عندما تريد أن تخوض معركة تقوم بتشكيل غرفة عمليات واحدة، لكن قبل الاتفاق على تشكيل هذه الغرفة كانوا يستغرقون أياماً وأسابيع للاتفاق على الغنائم _علماً أن هذه الغنائم هي ملكية عامة للشعب_ ولا تبدأ المعركة إلا وكل فصيل يعرف ما سيغنمه منها، وللمقاتلين شرف الشهادة أو النصر.
في ظل السياسة الإعلامية القذرة للمنظومة العالمية ثمة سعي دائم ومدروس لشيطنة الإسلام السني حصراً وربطه بشكل مباشر بالإرهاب، وكي يقتنع الرأي العام العالمي بهذا الوضع كان لابد من تصنيع هذا العدو وإفساح المجال له كي ينمو ويترعرع، ولذلك لم يكن من باب المصادفة و الخطأ أن يُسقط الطيران الأمريكي عبر مظلاته السلاح في مناطق داعش بدل مناطق الأكراد، ولم يكن ضعفاً في الجيش العراقي أن ينسحب من الموصل أمام داعش تاركاً لهم الملايين في البنوك والآلاف من سيارات الدفع الرباعي اليابانية والجديدة وغير ذلك كثير، وليس من باب النصر والهزيمة أن ينسحب الجيش الأسدي من تدمر مرتين تاركاً لداعش مخازن أسلحته، والأمثلة على ذلك كثيرة، وثمة ألف سؤال حول توقف الطيران الأسدي عن قصف المناطق التي تحتلها جبهة النصرة. لقد وجدت المنظومة العالمية أن تصنيع هذا العدو في بيئته أمر في غاية السهولة خاصة بوجود رئيس ألعوبة كبشار الأسد وفي دولة استبدادية يأتي فيها الفساد في مقدمة الخطط التنموية في وقت كان فيه الشعب السوري مجرد لاعب شطرنج مبتدئ فُرض عليه أن يقارع أبطال العالم في هذه اللعبة، ورغم ذلك كان هذا الشعب كلما أحرز تقدماً واقترب من نصره يزجون له بلاعب خطوته الأولى تلقيم المسدس.
لقد كان لهم ما أرادوا وانتشرت الفصائل الإسلامية المتطرفة بأجندات خارجية بالمطلق وبشعار واحد تحكيم شرع الله وإقامة دولة الخلافة والعدل، بفضلهم تم القضاء على فصائل الجيش الحر وتم إقصاء أي ناشط لا يشاركهم الرأي أولا يسكت عن فسادٍ يقومون به مثل تفكيك سكة الحديد أو سرقة تجهيزات البنية التحتية وصار المبرر لتدخلات القوى العالمية أكثر منطقية فهذه القوى _إعلامياً_ مهمتها القضاء على الإرهاب، وقد أثبتوا ذلك للعالم عندما تم القضاء على داعش في الرقة وقبلها في الموصل، إذ لم تترك طائراتهم وصواريخهم البالستية حجراً على حجراً، وكأن أبناء الموصل والرقة هم الإرهابيون في حين تم نقل القيادات (الداعشية) بطائرات الهيلوكوبتر الأمريكية أو بباصات النظام المكيفة لأماكن أخرى، لقد فرح العالم وصفق كثيراً لهذه المهمة الإنسانية وغفر إجرام الإرهابي الأول الذي قتل أكثر من مليون إنسان وشرد نصف سكان الوطن. لم يكن شعار دولة الخلافة نصرة لشعب سوريا أو لأطفال بلاد الشام وإنما نصرة لحاكم مستبد رضي على نفسه أن يكون أداة تنفيذية فرَهَنَ وطناً كاملاً في أسواق النخاسة العالمية، ووضع نفسه في خدمة الإيراني والروسي مقابل أن يبقى رئيساً. ساعده في ذلك تنظيم الأخوان المسلمون الذي ظنّ أنه بتنقلاته بين أحضان ( روسيا وإيران وتركيا والسعودية وقطر ) إنما يلعب سياسة، وأنه بهيمنته على هيئة التفاوض والائتلاف إنما يحقق دولة الخلافة الإسلامية.

عبد الرحمن حلاق

الأحد، 21 أكتوبر 2018

أنقذوا خالد العيسى


أنقذوا الرائد الطيار خالد العيسى.
نداء إلى كل الأحرار في تركيا والعالم
خالد العيسى معتقل. هذا هو الخبر الذي لم يصل إلى مسامع أحد في هذا العالم المافيوي، ولم تهتم كبريات الصحف العالمية بمتابعته ولا حتى محطات التلفزة العالمية وكي نكون دقيقين أكثر نقول: لم يهتم حتى الإعلام الثوري به فمن هو خالد العيسى كي تثار حوله قضية؟ ومن هو خالد العيسى كي نهتم بأمره. إنه ببساطة ثائر حر.
كان على خطوط التماس مقابل قوات داعش في حرب مع السواد فقد فيها إحدى عينيه عندما طالبته جبهة النصرة بسلاحه الثقيل مدعية ملكيتها له إثر قضائها على جبهة ثوار سوريا سنة 2014 ، ولأنه يتمتع ببصيرة نافذة فقد آثر تدمير الدبابة التي يملكها فصيله الصغير على أن يسلمها لجبهة ما يزال قائدها ملثماً وما يزال مجهولاً لكل أبناء سوريا. وبعد أن قضت الجبهة على فصيله استطاع الهرب إلى تركيا ليستمر في ثورته لكن هذه المرة بالقلم بعد أن انتهى عصر التظاهر وانقضى زمن الكفاح المسلح بالنسبة إليه.
تناول في مقالاته عبر مواقع التواصل وقنوات التيليغرام كل مظاهر الفساد والكذب والخداع كاشفاً المعارك المزيفة التي خدعت فيها جبهة النصرة وحلفاؤها الشعبَ السوري، وموضحاً زيف المعارك التي انتهت جميعها بتسليم المحرر منطقة منطقة بدءاً من كسب وليس انتهاء في حلب. وكان من أوائل الناس الذين فضحوا أمراء الحرب الذين تنازعوا على الغنائم ووصل بهم الأمر لدرجة سرقة ممتلكات البنية التحتية  لهذا الشعب الثائر، ففضح مفككي السكك الحديدية والمحطة الحرارية وغير ذلك الكثير.
ورغم كونه ينحدر من بيئة عسكرية وهو الرائد الطيار إلا أنه استغل فترة وجوده في تركيا ليدرس العلوم السياسية ويتابع بالتفصيل تنازلات هيئة التفاوض وجماعة الائتلاف في آستانة وسوتشي والرياض محللاً مقدماتها ومستقرئاً لنتائجها غير عابئ بالكم الهائل من التهديدات التي وصلته لدرجة أنه كان يتوقع الاغتيال في أي لحظة، ويحسب خطواته وتحركاته حساباً دقيقاً وقد أيقن مبكراً أن شبيحة الأخوان المسلمين لا يختلفون بشيء عن شبيحة الأسد، ولأن معظم كتاباته في الآونة الأخيرة كانت تنتقد تصرفاتهم على الأرض وتفضح فسادهم فقد ازدادت وتيرة التهديد، ومع اندلاع مظاهرات الشمال الأخيرة من جديد تبين لهم قدرته على تحريك الشارع عندما استطاع مع من تبقى من شرفاء الثورة أن يفرضوا تسمية الجمعة الأخيرة ( جمعة هيئة التفاوض لاتمثلنا ) في هذه الأثناء التفت شبيحة الثورة المتأسلمين وبدؤوا حرباً ضده في غرف الواتساب متهمينه أنه صاحب خمس صفحات يديرها عملاء للنظام من تركيا وأمريكا والكويت ومصر والإمارات ورجعوا إلى مقالاته فوجدوه يكشف خداع المتسلقين ويفضح انبطاح المتآمرين ، ويشرح للناس الدور القذر لجماعة الأخوان المسلمين المهيمنين تماماً على هيئة التفاوض وعلى ما يسمى بالائتلاف الوطني، والقابضين بيد من حديد على الموارد المالية في الشمال المحرر وبواسطتها يريدون تحريك الشارع على هواهم. لقد شعروا بالخوف عندما وجدوا أن له أكثر من ثلاثة عشر ألفاً من المتابعين فسارعوا إلى ارتداء شخصياتهم الحقيقية، شخصياتهم التي كانوا يظهرون فيها أيام كانوا يكتبون التقارير الأمنية قبل اندلاع الثورة، تناولوا قلماً وورقة وبدأ أحدهم يكتب لكن هذه المرة باللغة التركية وفاض قلمه بكل أنواع التهم فأخبر رجال الأمن الأتراك أنه يتهجم على تركيا ويهين هذا البلد العظيم ويشكل وجوده خطراً عظيماً على الأمة التركية والإسلامية. قدموا تقريرهم فسارعت قوة من الأمنيات في مدينة الريحانية إلى بيته واعتقلته، في الأمنيات تم التحقيق مع هذا الرجل الحر وبعد ترجمة مقالاته اكتشف المحققون الأتراك أن التقرير كيديّ، وأعلنوا براءته مما نسب إليه، فما كتبه ينضوي تحت بند حرية التعبير.
كتبة التقارير لم يحزنوا لبراءته بكل تأكيد فهم يعرفون القانون التركي جيداً والذي ينص على تحويل أي مقيم خضع لتحقيق ما وثبتت براءته إلى ما يسمى بـ ( الفرع أو المخفر 500 ) في أنطاكية وسيقرر المخفر إما ترحيله أو سجنه لفترة طويلة ريثما يُبَتُّ في أمره وسينتهي غالباً إلى الترحيل.
كتبة التقرير عبروا عن فرحتهم بهذا الإنجاز لأنهم يعرفون ما الذي سيحصل بعد الترحيل وهو المطلوب لجبهة النصرة، والمطلوب لعصابة الأسد ، والمطلوب لخلايا داعش النائمة في معظم الفصائل العاملة في الشمال، يعرفون تماماً أن نهايته ستكون إما كنهاية حسين الهرموش أو كنهاية الضابط الحر محمد خليل الذي اعتقلته جبهة النصرة وأعدمته.
أيام قليلة جداً تفصل خالد العيسى عن نهاية بشعة قد تكون أبشع من نهاية جمال خاشقجي وأبشع من نهاية حسين الهرموش. فهل تتحرك ضمائر الأحرار والشرفاء لإنقاذه أم أن الثوار الحقيقيين لا بواكي لهم.

الثلاثاء، 16 أكتوبر 2018

إسماعيل فهد بين العنقاء والخل الوفي



نتيجة بحث الصور عن في حضرة العنقاء

يحقق إسماعيل فهد في روايته الجديدة نقلة نوعية ومختلفة ـ أسلوبيا ـ عن رواياته الأخيرة فقد اعتمد السرد التقليدي منهجاً بعيداً عن مشهدية الحوار وآليات العرض السينمائي التي ميزت معظم رواياته السابقة . وقد آثر في هذه الرواية أن يكون الراوي مشاركاً في الحدث معتمداً على ضمير المتكلم وذلك خضوعاً لضرورات ومتطلبات الموضوع ، وبهذا يكون الموضوع قد فرض شكله الذي ينبغي أن يخرج به .
أما عن ضرورات الموضوع فتتمثل في كون الرواية بالمجمل خطاب أب لابنته التي لم يرها . هذا من جهة ، وهي من جهة ثانية تأصيل تاريخي لمواطن يرفض وطنه الاعتراف به ، والرواية بوجهيها هذين تفرض على الكاتب هذا الراوي المشارك ، وتفرض عليه كذلك ضمير المتكلم ، ومَنْ أكثرُ قدرةً على الإقناع من صاحب المشكلة وهو يروي قصته؟
يمهد إسماعيل فهد  لروايته برسم عام عبر مجموعة من الأحداث الصغيرة لنعرف أن الشخصية الرئيسة من غير محددي الجنسية والده متوفى ، وأمه امرأة أنهكها المرض الرئوي، والبحث الدائم عن سبيل يفضي بها إلى عالم المواطَنة، ولذلك لا عجب أن يختار له اسم ( المنسي ) والذي أضاف إليه الفنان محمد السريع لقب ( ابن أبيه ) على سبيل الدعابة فصار علماً له بين الناس ، وكلاهما الاسم واللقب يساهمان وبفعالية كبيرة في تكوين أفق التلقي لدى القارئ بما لهما من دلالات وقدرة على الانزياح في رسم ملامح الشخصية، لكن الرواية لا تكتفي بهذه الدلالات بل تقدم وعبر أحداث ثانوية ما يشي ببعض الأبعاد النفسية لهذه الشخصية ، فأن ينقاد إلى أوامر صقر الرشود كي يلعب دوراً هامشياً في مسرحية وهو مجرد فراش ، وكذلك أن يُخطط له صقر الرشود وعبد العزيز السريع مستقبله من خلال تسجيله في المعهد العالي للفنون المسرحية دون طلب منه ودون معارضة منه، وأيضاً يخططان له لرحلة فيما بعد إلى دمشق ، يجعلنا متيقنين أننا أمام شخصية مسلوبة الإرادة وهذا ما ستؤكده صفحات الرواية القادمة بالمجمل لدرجة أننا نجده ينقاد حتى إلى الزواج انقياداً ، إضافة إلى ذلك نجد أنفسنا أمام شخصية تعيش حالة قصوى من الاغتراب ويكفي أن يكون الشخص في المجتمع الكويتي من طائفة غير محددي الجنسية ( البدون ) ليعيش هذا الاغتراب فكيف إذا ترافق ذلك مع الفقر ؟! بكل تأكيد سيصل الإنسان هنا حالة من انكسار الأحلام تصل به إلى درجة الإحباط ، وتأتي المعرفة هنا لتعزز هذا الشعور وتساهم في دفع المغترب إلى إيجاد حلول ما، فالمنسي كاتب صحفي معروف وهذا يعني أنه يعي تماماً أبعاد أزمته، وحجم مأساته .
 بخلاف الإنسان البسيط الذي يجاهد ـ فقط ـ كي يتأقلم مع الوضع ويتصالح معه فيجسد بذلك حالة من الاستلاب إذ غالباً ما ينتهي الأمر في هذه الحالة بنوع من التصالح مع القوة القاهرة على حسابه الخاص، بحيث يبقى الأمل مجرد شمعة تكاد تنطفئ في أعماق ذاكرة أم مجهدة .
لقد جاء اختيار الكاتب لشخصية ( منسي ) تجسيداً لحالة الإحباط التي تعيشها هذه الشريحة من المجتمع وإذا كنا قد تعودنا المرور على كلمة الإحباط مرور الكرام ، أرى من الواجب التوقف عند هذا المصطلح الذي يعد مؤسِساً لكثير من السلوكيات التي يسلكها الإنسان فيما بعد . فالإحباط هو : ( أي عرقلة أو صد لتحقيق حاجة، أو رغبة أو أمل بسبب ظروف خارجية، يعاش وجدانياً كتفشيل وجودي أو حرمان مادي. يولد الإحباط إجمالاً مشاعر الغبن غير المستحق. وهذه تفجر العدوانية ومشاعر الحقد التي تتوجه إلى الخارج، إلى الموضوع المسؤول عن الإحباط، أو أي موضوع بديل، أو هي ترتد على الذات على شكل قسوة عليها ،الإحباط إذا يُولِّد مشاعر العداء أو مشاعر القهر والمهانة )[1]  وفي موضوعنا من السهل جداً اكتشاف أن ابن أبيه يعيش هذا التفشيل الوجودي والحرمان المادي ضمن إطار المجموعة الثانية من المشاعر ، مشاعر القهر والمهانة ، إذ من اليسير ملاحظة بعض سلوكيات زملائه في المدرسة ، وأيضاً إلحاح المشرف الاجتماعي عليه لإحضار ولي أمره ومن ثم رصد أحاسيسه تجاه ملبسه الوحيد وانتهاء بموقف سعود وأخته منه ، فشخصية المنسي شخصية تعيش وجوداً مزيفاً حد تعبير هايدغر Martin Heidegger ( 1889 ـ 1976 ) الذي يرى أن الوجود المزيف هو الوجود الغارق في الحاضر (    الذي تحدده الاعتبارات والعادات ، لا اختيار الإنسان نفسه بنفسه ، وبإدراك تام للأوضاع الإنسانية الأساسية ، إذ يكون الإنسان مغترباً عندما يتخلّى عن حق الاختيار ويهرب من ذاته والأزمات ويعيش في حالة من الزيف ، ويغرق في الحاضر وفي عالم الآخرين، فينفي وجوده ويصبح " واحداً من الآخرين " بكلام آخر يعيش الإنسان وجوداً اغترابياً بقدر ما يمتثل للعادات وتوقعات الآخرين ويفشل في تحقيق وجوده الأصيل ، في هذه الحالة يصبح الإنسان شخصاً آخر لا نفسه )[2]. وقد تجلى ذلك من خلال انغماس المنسي انغماساً كلياً في المقاومة ليؤكد ـ لاشعورياً ـ انتماءه الوحيد إلى هذا الوطن ، وهو إذ يمارس هذا الانتماء فإنما يمارسه إرضاءً لذاته فقط ، بدليل برودة تعامله وحياديته تجاه الملف الذي كان الشغل الشاغل لأمه طيلة حياتها والهم الوحيد لها طيلة حياتها أيضاً في حين أن المنسي غلفه بغلاف يحفظه وفقط . لم نلحظ عنده هذا الانهمام به .
لقد امتثل المنسي لرغبات الآخرين في مجمل سلوكياته اليومية ، منقاداً لهم باستسلام اغترابي شديد ، وإن كان ذلك يتم أحياناً برغبته وأحياناً رغماً عنه. فهل أرادت الرواية أن تقول أن هذه الفئة من الناس فئة تؤجل إرادتها الحرة إلى حين الحصول على بطاقة الهوية ؟ وهل أرادت الرواية القول أن هذه الفئة من الناس فئة ذات وجود مؤجل ؟ بالتأكيد سنظلم الرواية إن قلنا نعم فالمنسي في نهاية الأمر فرد ، ومهما حاول الروائي ـ أي روائي ـ أن ينمذج شخصية لايمكنه في نهاية الأمر إلا أن يصب فيه بعضاً من السمات الفردية للإنسان ، وإذا كان المنسي ممن ينتمون إلى الشريحة الثانية من المحبطين والذين تولدت في نفوسهم مشاعر القهر والمهانة واستسلم لها فثمة شريحة ربما أوسع ممن ولّد عندهم الإحباط مشاعر العداء وللعداء سلوك آخر .
وتأكيداً على فردانية المنسي يجعل الكاتب له هواية تكاد تكون فريدة وهي جمع قصاصات الجرائد وتصنيفها في ملفات ، تتعلق بشخصيات عامة في البلد وثمة إشارات إلى البعض من هذه الشخصيات الذي يمارس نوعاً من الفساد. وإذا كان ( منسي ) قد رفض الإفصاح عن الغاية من جمع هذه القصاصات وتصنيفها إلا أن سياق الرواية يفضي إلى أن هذا المنسي لاينتمي إلى هذا الوطن وحسب وإنما يعيش هذا الانتماء في حين أن بعض من يتشدق بالانتماء ينتمي في واقع الأمر إلى الدينار وليس إلى الوطن . فالاهتمام المبالغ به في جمع هذه الملفات إنما يعكس في واقع الأمر رغبة دفينة في عيش الحاضر من خلال توثيق دقيق لحيوات أبنائه ، وهي تعكس أيضاً أملاً مخبوءاً بولادة وطنية يوماً ما ، فإذا ما تحقق هذا الأمل يكون منسي جاهزاً للخوض في الواقع المعاش للوطن .
من ناحية ثانية يمكن أن نعد هذه الهواية شكلاً من أشكال الدفاع للمحبَط المغترب كي يؤكد لنفسه على الأقل أنه يتمتع بإرادة خاصة ويعيش حاضره ـ كما ذكرنا ـ وقد عزز هذا الجانب قراره بالكتابة لابنته ،  إذ أن مجرد الكتابة لها هو توثيق رسمي لحاضر عاشه قبل أن يكون رغبة أب بتبرير غيابه عن ابنته، وقبل أن يكون اعتذاراً لها على تفريطه بها، ولتأكيد صدقية هذه الوثائق يلجأ الكاتب إلى استخدام الأسماء الحقيقية لكثير من الشخصيات الواقعية التي مايزال الكثير منها يعيش بيننا ، لقد أرادهم الكاتب شهوداً حقيقيين كبرهان ودليل ، واستخدام هذه الأسماء ذو فائدة مزدوجة بالنسبة للشخصية الرئيسة في الرواية ( منسي ) فهو من جانب استخدام يهدف لأن يكونوا شهود عيان على وطنيته وانتمائه الأصيل ، ومن جانب آخر هم من سيشهد لزينب على صدقية أبها ،رغم أننا نجدها في الفصل الأخير  تمنح أباها صك الغفران حيث تدرك أن مجمل الظروف التي عاشها كانت أقوى من أن تسمح له بأي فعل . وهو الذي لا يتردد بوصف نفسه بـ ( الغائب الحاضر  ) الغائب بالإرادة الحاضر بالجسد .
تقنية الاستباق في البنية الحكائية للرواية :
في كثير من الأحيان لاتمنحك الذاكرة نفسها ، فقد تجود عليك أحياناً وتبخل عليك أحياناً ، وأن تستعيد حكاية عشتها وخرجت منها قبل سنوات لكنها ماتزال تسكنك فهذا يعني أنك كثير التأمل فيها ، وفي التأمل تكثر الأمنيات عبر استخدام ( لو ) أو ( لولا ) ولهذا يعترف الكاتب ( منسي ) بصعوبة إعادة ترتيب الحكاية فقد مرت سنوات طويلة وهو يحاول إلى أن قرر أخيراً أن يكتبها عبر أسلوب التداعي الحر ( خبط عشواء ، غير ملزم بتسلسل الأحداث حسب المنطق المعتاد لتواليها ، منساقاً لتداعي لحظتها الآنية ) وبالتالي وجد لنفسه مخرجاً تقنياً من صعوبة وضع مخطط درامي للأحداث لكن هذا لم يمنع من أن الرواية جاءت بتنسيق زمني حسب المنطق المعتاد لتواليها ، إلا أن أسلوب التداعي الحر سمح للرواية بأن تكثر من تقنيتيْ الاسترجاع و الاستباق فإذا كانت تقنية الاسترجاع تسمح بتسليط الضوء على شخصية أو حادثة ما فإن تقنية الاستباق تكسر أفق التوقع لدى المتلقي و ترفع من حدة التوتر وبالتالي تساهم في ترسيخ عنصر التشويق في العمل وهو تشويق ليس إلى معرفة النهاية وإنما إلى الآلية التي سارت بها الأحداث كي توصل إلى هذه النهاية، وهذا ما يجعل القارئ مشدوداً إلى سطور النص أكثر ، ففي زيارة المنسي إلى دمشق وتعرفه على زوجة المستقبل ( عهود ) وهي امرأة ذات تجربة سابقة بالزواج ،نجده وقد أخذته إلى غجرية عرافة حيث تنبئها بطلاق جديد. فإذا كنا نذكر أحداث ( قصة موت معلن ) سنجد أن ماركيز لعب وبذكاء شديد على هذه التقنية حيث جعل أبناء البلدة جميعاً ومعهم القتيل ، وأيضاً القارئ يتأكدون من مقتل ( سانتياغو نصار ) ومع ذلك يتصاعد عنصر التشويق لدى المتلقي لمعرفة الجواب على السؤال الأكثر إلحاحاً على ذهنه ( كيف ومتى ؟ ) . كذلك مارس إسماعيل فهد التقنية ذاتها فبدءاً بالصفحة الأولى يعرف القارئ أن الكاتب يكتب لابنته وأن الكاتب غير متأكد من أنه سيراها قبل موته ، وسيعرف القارئ لاحقاً أن الكاتب لم ير ابنته على الإطلاق إلا في الحلم وبالتالي سيبني المتلقي أفق التوقع بدقة إذ سيتأكد من أن منسي سيتزوج عهود وسينجبان زينب وسيقع الطلاق ، لكن يبق السؤال ذاته معلقاً ( كيف ومتى ؟ )  . وسيعود الكاتب ثانية لاستخدام تقنية الاستباق عبر الحلم الذي راوده ذات ليلة ، إذ نجد الرواية في نهايتها تفسر رموز الحلم تأكيداً على حصولها .
بعد عودة المنسي من دمشق ، تسير الرواية وفق تسلسل زمني يتوافق مع التوالي المنطقي للزمن حيث نرى الأحداث تتابع وتتلاحق بدءاً بالزواج وصراع عهود مع شقيقها سعود أولاً ثم الاجتياح العراقي للكويت ودور المنسي في المقاومة ومن ثم تحرير الكويت واعتقال المنسي ثم خروجه وطلاقه . إلا أن هذا التوالي الزمني يبقى في حالة من عدم الاستقرار ، ويبقى مشوهاً في ذهن القارئ وذلك بسبب هذه اللعبة الاستباقية التي مارسها الكاتب ، وإذا استثنينا المرة الأولى التي يخاطب فيها المنسي ابنته ـ تبدأ الرواية بـ ( يازينب ) ـ فإن كل ذكر لزينب بعدها يخلخل في ذهن القارئ هذا التسلسل الزمني ، إذ سينقل المتلقي مباشرة من زمن الحدث وهو الماضي إلى زمن الكتابة وهو الزمن الحاضر ، وما نلبث بعد الانتهاء من قراءة ( يازينب ) حتى نعود إلى زمن مضى .
وإذا كانت البنية الحكائية تتناول في بعدها الشكلي هذه التقنيات فإنها في بعدها المضموني تطرح السؤال الأهم بالنسبة للرواية ككل ويتجسد هذا السؤال في ذهن المتلقي ربما قبل انتهائه من القراءة :
 ( ما الذي ينقص الإنسان كي يكون مواطناً ؟ )
بصبر وأناة وحرفية كلاسيكية يرسم إسماعيل فهد الكثير من التفاصيل الحياتية ليمنح هذا المنسي أكبر قدر من التعاطف وليضع المشكلة برمتها أمام أصحاب الحل والربط . فمنسي ابن الكويت مولود فيها وتكون وجدانه الوطني على نشيدها أثناء دراسته فيها ، ساهم في حركتها الثقافية وناضل لأجلها أثناء محنتها الكبرى التي هددت وجودها، واعتقل في سجون المحتل وكان له دوره الفعال في ( إذاعة المقاومة ـ إذاعة بو فهود ) ومعه من الوثائق مايثبت أن والده ووالدته كانا ممن شملهم تعداد العام 1965 ، ومع ذلك يبقى خارج الاعتراف الوطني . ما الذي يريده الوطن ـ أي وطن ـ أكثر من ذلك ؟
في المقابل تطرح الرواية جانباً على غاية من الأهمية يتمثل في المكافأة التي نالها المنسي مقابل حبه لهذا الوطن وقبل الخوض في هذا الجانب يجب أن نميز بين شريحتين اثنتين تمثل كل منهما نموذجاً في التعاطي مع المشكلة .
الشريحة الأولى تتمثل في أسماء محددة ( صقر الرشود ـ فؤاد الشطي ـ عبد العزيز السريع ومحمد السريع ـ سليمان الياسين ـ مبارك سويد ـ ويمكن أن نضيف أيضاً شخصية القاضي صلاح الفهد ) هؤلاء يمثلون الجانب الإنساني المشرق الذي جعل من المنسي يقول لابنته زينب ( الفن موقف إنساني يبدو شخصياً أحياناً ) في معرض الحديث بين صقر الرشود وعبد العزيز السريع عن ضرورة إكمال المنسي لدراسته ، فما الذي جعله يطلق هذا التعريف للفن ؟ لولا فيوض إنسانيتهم عليه .
في هذه الشريحة نجد الحياة بأبسط أشكالها ونجد الانتماء في أبهى صوره ونجد التضحية الخالصة لوجه الإنسانية والوطن ، دون السؤال عن مقابل .
أما الشريحة الثانية فتتمثل أولاً بشخصية سعود وثانياً بشخصية عهود ، إذ يمثل سعود شريحة النخبة الثقافية الانتهازية بينما تمثل عهود في موقفها من البدون شريحة لها حضورها النسبي ضمن المجتمع الكويتي ، وفي حين ارتكب سعود بشكل أو بآخر خيانة للوطن من أجل مصالحه الخاصة ، نرى عهود ترتكب خيانة لزوجها إذ تتخلى عن كل خلافاتها مع أخيها سعود وتتخلص من زواجها استجابة لرغبة أخيها الذي أقنعها أن البدون طرف إلى جانب الاحتلال، هذا من جانب ومن جانب آخر فقد حققت حلمها بطفلة تربيها ، وكأنما كانت تضمر في داخلها أن هذا الزواج برمته مجرد وسيلة لهدف تم تحقيقه، وربما تكون نبوءة العرافة قد ساهمت بتشكيل أو توضيح هذا البعد الأناني في شخصية عهود . نعود إلى المكافأة التي نالها هذا ( البدون ) نتيجة وطنيته غير المعترف بها . فما إن تحررت الكويت حتى سارع سعود بالإبلاغ عنه مما أدى إلى اعتقاله وسجنه ، ولولا تدخل الشريحة الأولى ممثلة بالقاضي صلاح الفهد لبقي في سجنه سنوات وسنوات .
هذه المكافأة تخفي بين ثناياها جانباً سيكولوجياً أبعد بكثير من الجوانب القانونية للمشكلة تتمثل في نظرة الاستعلاء التي تعيش عليها شريحة واسعة نسبياً في المجتمع الكويتي فأسباب الحرب التي شنها الدكتور سعود على المنسي لا تتوقف عند رغبته فقط في وضع يده على تركة أبيه وإنما أيضاً قناعته أنه ذو مستوى اجتماعي أرفع بكثير من هذا ( البدون ) الموقف ذاته كرره سعود مع أخته جود التي تزوجت طبيباً سورياً أثناء إقامتها في دمشق للدراسة ، الفارق فقط أن جود تنازلت عن حقوقها وتركت الكويت إلى غير رجعة ، أما عهود فهي تعيش في الكويت .
إن كل التبريرات التي يقدمها سعود لرفضه هذا الزواج تتعلق بهذه النظرة الاستعلائية ، ووحده المال يستطيع أن يجعله يتنازل عن هذا الكبرياء المزيف مثلما رأينا في سلوكه مع أخته جود . ولأن عهود تحب المال أكثر منه ولم تتخلى عن حصتها في تركة أبيها ، نراه لايوفر وسيلة أخلاقية أو غير أخلاقية إلا ويستخدمها لنسف هذا الزواج .
لقد استطاع إسماعيل فهد بحق أن يقدم لنا صورة متكاملة عن المجتمع الكويتي بكل جوانبه المشرقة منها والمعتمة ، وإذا كان قد نمذج بعض الشرائح الاجتماعية عبر شخصيات الرواية فإن النموذج الذي أولاه كل العناية هو النموذج الممثل بمنسي ( غير محدد الجنسية ) لتأتي الرواية صرخة حق مؤلمة تعكس الجانب الإنساني الجميل لدى كاتب كويتي يعز عليه أن يرى حقوق الإنسان مثلومة في بلده .

                                                                                                                 عبد الرحمن حلاق 



[1] التخلف الاجتماعي ، مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور ، ، د. مصطفى حجازي، المركز الثقافي العربي، المغرب ط9 2005، صـ134
[2] الاغتراب في الثقافة العربية ، حليم بركات ، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت ط1 ، 2006 صـ46

الاثنين، 15 أكتوبر 2018

الاجتزاء بين التكسّب والدين


عُرف عن العربية بلاغتها المتقنة وقدرتها على الإيجاز الشديد، الإيجاز لدرجة الحذف بدلالة السياق، وقد أسهمت هذه البلاغة بتأسيس نسق فكري ثقافي شبه ثابت في الذهنية العربية ولم تعد مجرد علم يختص به أهل البلاغة والمعرفة، فقد انداح على المستوى الشعبي وانسحب على مختلف الصعد ضمن استعمالات الواقع المعيش، متخلياً عن بريقه اللغوي، مرتديا لبوس المنفعة والتسلّك البراغماتي، وإذا كان قد حافظ على مسماه البلاغي إيجاز حذف) فقد انتقل إلى مسمى آخر في السلوك الفردي حيث صار الاجتزاء والحذف منهجاً عملياً نفعياً بغض النظر عن أهمية المحذوف وربما بتعمد مباشر للتعمية على المحذوف الذي إن ذُكر أبطل قصد المتكلم ونفى حجته. وهذا سينتج بالضرورة نسقاً أخلاقياً يتخلق به عامة الناس.
وبناء عليه فقد غدا اجتزاء عبارات من نصوص دينية ثم بناء قاعدة أو حكم عليها أمراً اعتيادياً جداً، ولأن المنجز الديني يلامس المشاعر والعواطف الإنسانية فقد وجدت هذه الأحكام طرقها القطعية التي يستسلم لها عامة الناس، بل ساهم عامة الناس بتأصيلها فيما يفيدهم وبالتالي أخذت منحى السلوك اليومي لكثير منهم. وكي لا يبدو الكلام محصوراً في جانبه النظري يمكن أن نضرب على سبيل المثال لا الحصر الحديث النبوي الذي يقول:
"خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام." من هذا المنطلق صار أبو سفيان وكثيرون أمثاله أخياراً ولم يتوقف إلا قلة قليلة جداً عند تكملة الحديث النبوي التي تضع شرطاً على غاية الأهمية لتحقق ذلك الأمر (إذا فقهوا) فمن يتفقه في الدين ينصاع للأوامر وينزجر عن الزواجر وهذان شرطان لتحقق التقوى، ولأنهما شرطان على درجة عالية من صعوبة التحقق في النفوس الضعيفة فقد تمّ التواطؤ شعبياً على تجاهل هذا الاجتزاء ليدخل هذا الشرط ضمن منظومة (الصح الضائع) التي أخلت مكانتها لـمنظومة (الخطأ الشائع) مستفيدة من القاعدة اللغوية عند نحاتنا القدماء الذين أسسوا لمقولة (خطأ شائع أفضل من صح ضائع) وبالقياس أيضاً تعامل الكثير من السوريين في بداية الثورة مع أي انشقاق يحصل على مبدأ (بندقية معنا أفضل من بندقية علينا) ليكتشفوا بعد حين أن الكثير من هذه البنادق كانت عليهم تسللت إلى مفاصل الثورة تحت ستار ديني أشبه بخياركم في الجاهلية.
وبناء على الكثير من هذه الاجتزاءات نتج الكثير من السلوكيات التي ابتدأت بحرف الثورة السورية عن مسارها وانتهت بتكفير الشعب السوري وتمزيقة تحت رايات عديدة جداً تلتقي جميعها تحت راية الكتاب وتفترق جميعها تحت رايات الاختلاف بالتأويل والتفسير والاجتهادات فعندما يبغي أحد الفصائل تمتنع جميعها عن قتاله بحجة أخوة المنهج أما عندما تقتضي الضرورة وتأتي أوامر الداعمين فيصبح عندئذ القتال بناء على فتوى (كي لا تكون فتنة) وهذه الآية من أكثر الآيات استخداماً خارج سياقها، وعبر التاريخ كانت متكأ للكثير من المجرمين ممن أرخوا لحاهم وقاتلوا أبناء دينهم قتالاً استئصالياً، وكي يرفعوا من حمية المقاتلين عبر الإيهام الدلالي تراهم يضيفون آيات أيضاً مجتزأة من سياقها وبإهمال متعمد وواضح للمعنى المركزي ( واقتلوهم حيث ثقفتموهم) فإذا كان السياق القرآني يشير بوضوح إلى المشركين في صدر الإسلام وتحديداً منهم الذين أخرجوا الرسول ومن آمن معه من مكة، فإنه مع فصائل النصرة وداعش والزنكي وأمثالهم كانوا يقصدون فصائل الجيش الحر بدءاً بجيش ثوار سوريا وانتهاء بأكثر من عشرين فصيلاً غيره، خاصة مع توفر فتوى صريحة من الظواهري بعدم التحالف مع الفصائل العلمانية وفتوى من بعض مشايخ السعودية بعدم التبرع ودعم الفصائل التي لا ترفع راية لا إله إلا الله . أما كيف يكون القتل فقد جاء واضحاً وصريحاً بنص قرآني أيضاً مجتزأ من سياقه (فاضربوا فوق الأعناق) مع أن الخطاب في النص موجه للملائكة الذين ساندوا المسلمين في بدر، إلا أن كتائب الإرهاب القاعدي تتعامل مع هذه الطريقة بالقتل على أنها الطريقة المختارة من الله، وليست كناية عن القتل بالمطلق، وإذا كانت هذه الطريقة صعبة التنفيذ في زمن الرصاص إلا أنها في أحكام الإعدام كانت متبعة في كثير من الحالات.
لقد لعب اجتزاء العبارات الدينية دور المؤسس لسلوكٍ ظاهرهُ دينيٌّ وباطنهُ نفعيٌّ لا علاقة للدين به، إنها التقية بأبشع صورها الاستغلالية النفعية فقد تمت الانسحابات من معظم مدن المناطق المحررة بتبرير ديني وتم تفكيك البنية التحتية للمدن المحررة بتبريرات دينية فاختفت سكك الحديد كما اختفت المحطة الحرارية كما اختفت كل ممتلكات الشعب من المؤسسات العامة. وغدت التجارة بالدين هي الأكثر ربحاً على الإطلاق بين أمراء الحرب خاصة بعد أن تم القضاء على معظم فصائل الجيش الحر بتهم الفساد أو الشرك أو العلمانية.
إزاء هذا الفساد انقسم السوريون إلى مؤيد طامع في حصته من الغنائم، مطمئن إلى أن كل شيء يسير وفق الشرع ووفق ما أمر الله وإلى معارض لا يملك من أمره شيئاً ولا يملك غير الألم تجاه هذا الفساد، ومن حاول التصدي لهذا النوع من التقية في بدايات الثورة كان مصيره إما الاغتيال مع تسجيله في قوافل الشهداء الذين ماتوا بفعل القصف الأسدي، أو الفرار والهجرة بعد أن استشعر ما يُدبّر له. وبذلك غدا هؤلاء الإسلاميون بشرعييهم (أصحاب الدورات الشرعية المجتزأة) وبمشايخهم خيرَ معين للطاغية في القضاء على الجيلين الأول والثاني من شرفاء الثورة، فقد تكفلت النصرة وداعش بالقضاء على من لم يستطع الطاغية بشار قتله أو اعتقاله أو تهجيره.
عبد الرحمن حلاق

الاستعارة والانحرافات المعرفية ـ قراءة في رواية فواز حداد تفسير اللاشيء

  في السرد الروائي نجد أنفسنا أمام مجموعة من الصور الكلية التي تصنع استعارات بلاغية مختلفة في الشكل عن المفهوم البلاغي المتعارف عليه في ك...