بلاغة
الرمز والتورية في رواية
أسفار
مدينة الطين[1]
رواية
بثلاثة أجزاء، تمتد على مساحة زمنية تغطي سبعة عقود، كان يمكن للسنعوسي كتابتها
حسب خطة زمنية متسلسلة أركيولوجياً، وفي هذا الحال ستبقى حكاية كما كل الحكايات
الشعبية وربما لن تلفت انتباه أحد. لكنه آثر أن يحكي الحكاية بطريقة إبداعية مكنته
من حفر اسمه بين كبار أدباء الوطن العربي، ومكنته أيضاً من تجاوز من سبقه تقنياً
على أقل تقدير. ولا أعني بالتجاوز هنا حلبة السباق وإنما البناء على ما سبق وزيادة
سطح جديد على ما كان قد بُني من سطوح سابقة مضيفاً لبنات جديدة على معمارية
الرواية العربية.
وكما في
كل رواية تستخدم تقنيات السرد بحرفية عالية، وتلعب بالزمن وبالحقب التاريخية
تقديماً وتأخيراً، يتوجب على القارئ (المتلقي) أن يعيد تركيب الزمن وملء البياض
الذهني الذي خلفته الأسئلة المتولّدة أثناء القراءة كي يصل لحالة تأويلية يطمئن
لها ويركن إلى حكم نهائي يتوصل له، بعد أن أبحر عميقاً في بحور الدهشة.
كيف تمّ
ذلك؟ سؤال مشروع، ويمكن الإجابة عنه عبر تحليل مجموعة فضاءات رمزية اعتمدها الكاتب
وكذلك عبر مجموعة حكايات تناولتها الرواية تخفي بين أحداثها الحكايات الأصل التي
شكلت البياض الذهني وأثارت فضول البحث -بكل طاقته- عن إجابات لأسئلة تنبثق في ذهن
المتلقي، وإذا كان الروائي إسماعيل فهد قد سبقه بتقنية التورية السردية قبل ثلاثين
عاماً في روايته الكائن الظل فإن السنعوسي قد منح التورية السردية تشعباً سردياً
شمل العديد من الحكايات في رواية واحدة، وإذا كان الروائيون قد استهلكوا تقنية
(الاسترجاع) أو كما يسميها السينمائيون (الخطف خلفاً) فإن السنعوسي قد منح هذه
التقنية شكلاً جديداً عبر التنقل بين الأزمنة، وإن تشابهت إلى حدٍما مع طريقة
إسماعيل فهد في عبور جدار المكتبة في ( الكائن الظل) أو مع بوابات الزمن في أفلام
الخيال العلمي، مع فارق جوهري بين تقنية السنعوسي وتقنية إسماعيل فهد أو أفلام
الخيال العلمي يتمثل هذا الفارق في الوظيفة؛ في مفهوم العلاقة بين الماضي والحاضر فهي
في معظم ما سبق رحلة إطّلاع على حقيقة مخفية لكنها في أسفار مدينة الطين علاقة
تفاعل وتأثير متبادل بين الماضي والحاضر وامتلاك القدرة على تغيير مصائر بناءً على
قرارات إرادية من شخوص الرواية، ما يعكس رؤية فكرية غاية في النضج لدى السنعوسي،
ساعده في ذلك التحكم القصدي بفضاء الفانتازيا التي تخيّم على النص بأجزائه
الثلاثة.
الفضاءات
الرمزية والتورية السردية في أسفار الطين:
تتشكل
الفضاءات الرمزية في هذه الرواية من خلال حزمة من الوقائع والأحداث بما يسمح للأسطورة أن تصوغ المعنى الأساس لها والذي
يستقر لا شعوريا في ذهن المتلقي بفعل الدهشة المصاحبة لغرائبيتها، وأرى أن هذه
التقنية لعبت دوراً حاسماً في القدرة على الإقناع بالتزامن مع الدور الذي تلعبه
التورية السردية للحكاية الأم، وعليه يمكن تعريف التورية السردية بأنها "
أسلوب بلاغي بنائي يتحكم في مجمل التصميمات اللفظية المستندة أساساً على الاستعارة،
والكناية، والبناء الرمزي، يسهم في خلق حالة من التوتر البنّاء بحيث يمنح
المتلقي حبكة سردية ظاهرة، تعمل على
إيهامه أو توجيهه للمقاصد الحقيقية للكاتب[1]"
وتتمثل
هذه الفضاءات الرمزية عبر حكايات كثيرة تناولتها الرواية ويكفي استعراض أهمها:
حكاية
العباءة: العباءة في أسفار مدينة الطين ليست أداة ستر وحسب،
بل هي إشارة أيضاً إلى أثر الماضي في الحاضر، وكناية أسطورية عن الجهل المنبئ
بخراب قادم وإذا بالغنا قليلاً في الدلالة وأزحنا حجاب البلاغة وما فيها من تورية
عنها، نستطيع القول إنها بئر النفط المتنازع عليه بين العراق والكويت والذي أدى
إلى الغزو والذي كان من نتائجه حجب الشمس بالدخان الأسود الناجم عن اشتعال آبار
النفط تماماً كما كانت أم حدب تحذر.
"ملعون
من ينكح لخمة (سمكة رقيطة مفلطحة) تنجب له المولود المسخ في الحال، بودرياه أبا
العباءة، يولد من رحمها في الماء ينادي أباه، وإن لم يستجب الأب يخرج الابن من
البحر إلى السِّيف (الشاطئ) بعد حين، يبحث عن أبيه.. يقتله.. ثم يختفي" [2]
تلك هي
الحكاية التي تخفي في ثناياها الخطيئة الموجبة للموت، وكي نستكمل عناصرها يجب أن
نعلم أن عباءة بودرياه سُرقت، وهذه خطيئة ثانية فالعباءة تمتلك قوة مدمرة إذ
تستطيع إخفاء الشمس عن مدينة كاملة كما تقول الأسطورة وإذا جاز لنا السؤال عن سبب
انتهاء زمن الرواية سنة 1990 كأحد الأسئلة التي يمكن في الإجابة عنها ملء بعض بياض
الرواية وذكر ما لم تذكره أثناء السرد، ففي هذا العام تصاعدت وتيرة الخلاف
العراقي-الكويتي وأدى إلى غزو الكويت في العام التالي. وفيه تم إحراق 1073 بئر
نفطي فحُجبت الشمس في سماء الكويت لشهور ثمان بفعل الدخان الناجم عن حرق آبار
البترول من قِبل الغزو العراقي، وبكل تأكيد لا يريد الكاتب سعود السنعوسي بهذا
الفعل التأكيد على صحة نبوءة أم حدب لكنه يريد من المتلقي إعمال عقله في سبب حجب
الشمس في هذه السنة، وكما كان سعدون يُفسر علمياً الكثير من الظواهر الخفية لخليفة
فعلى المتلقي أيضاً أن يُشارك في إنتاج النص وإكمال الفراغ فيه، فثمة خطيئة متوارية
خلف خطيئة نكاح اللخمة، وخطيئة أخرى متوارية خلف خطيئة سرقة العباءة وعدم إعادتها
لصاحبها، ربما تكمن هذه الخطيئة في رغبة أمير البلاد سنة 1920 في الاحتفاظ
بالعباءة وهذه توازي رغبة أمير البلاد
1990 في الاحتفاظ بما يسحبه من حقل الرتقة المتنازع عليه، إذ كان بمقدور الطرفين
ترسيم الحدود والانتهاء من هذه المشكلة أساساً.
وإذا
كانت حكاية العباءة تستحوذ ثقل المعنى الأساس في الأسطورة فإنها بلا شك ترتكز
وبشكل تام على مجموعة من الأحداث والحكايا التي تستكمل هذا المعنى وتصقل صوغه
لتجعل منه مفهوماً قاراً في ذهن المتلقي. يأتي في مقدمة هذه الحكايا والأحداث حكاية
الصاجّات: مجموعة من النسوة الساحرات، يُشكلن البنية التحتية لصناعة الوهم
وترسيخ الخرافة وهنّ في الوقت ذاته صانعات الأحداث فكبيرتهنّ (أم حدب) هي من قامت
بخطف الطفلين وهي من أوعزت بحرق البيت وبالتالي هي من فجرت الحكاية الأولى في
أسفار مدينة الطين، تساعدها في ذلك الصاجّة أم صنقور التي ورثت عنها مرتبة كبيرة
الصاجات. أما الحكاية الثانية في رسم وصقل ملامح هذه الأسطورة فهي حكاية
التبّة: بوابة الزمن بين 1920 و1990من خلال الغوص في الموجة السابعة قرب صخرة
الشاطئ التي أنسنها الكاتب وجعلها بلا ذاكرة، إنها بوابة العبور بين مدينة الطين
وبين مدينة الحجر والاسمنت المسلح. الخط الفاصل بين ما كانت عليه البلاد من جهل
وتخلف وبين ما آلت إليه من تقدم وتطور في البنى المعمارية والفكرية، الفاصلة
اللغوية بين جملة هكذا كانت وجملة هكذا صارت. أما ثالثة الأثافي في هذه الأسطورة
فهي تمثل التبرير المنطقي أو ربما العلمي لكل ما ورد في هذا النص السردي من
مبالغات إنها حكاية السحر أو الخيال: ما يسميه كاتب الأسفار صادق بو حدب
خيالاً روائياً يسميه الشايب سحراً الأول بيده القلم والثاني بيده (صولجان طوعس)
ينقل له الأخبار ما حدث وما سوف يحدث، ما يشكل نقلة نوعية في تقنية الاسترجاع حيث
يحكي الشايب القصة للكاتب والكاتب يصوغها سرداً متحكماً بمصائر شخوصه دون شطط عما
يمليه الشايب. فما يمكن أن تجده ميتافيزيقياً في هذه الرواية أطلق عليه الكاتب
خيالاً أدبياً والرواية -أي رواية- هي في المحصلة تخييل إبداعي يسهم بشكل فعّال في
عملية الفهم والتأويل.
أما
لبِنات السرد التي استعان بها الكاتب في إيصال رسالته والتي تساعد وبشكل فعال في
إماطة اللثام عن الحكاية الأساس التي تُمكّن المتلقي من إعادة إنتاجها وتركيبها من
جديد ليحقق فهمه الخاص لها فتتمثل بداية بحكاية: الشايب: خليفة وبس،
المشهور بالممثل حمد حمد، العالم بالأحداث وبما كان وبما سوف يكون، السارد العليم
والمشارك بالحدث، السارد الذي تخلى عن دوره في السرد للسارد العليم الثاني (كاتب
الأسفار) والذي يعيش زمنين متباعدين. فهو صاحب الهمّ الأول في إعادة تركيب الحكاية
وتبيان الحقائق والمعلومات المخبأة في مجاهل زمنين، إذ ليس كل من يعيش في مدينة
الحجر والاسمنت يعرف كيف كانت الحياة في مدينة الطين وليس كل من عاش في مدينة
الطين يمكنه التكهّن بمآلات الأمور، وهنا يأتي دور الشايب الذي عاصر الزمنين،
ولكونه العالم بكل التفاصيل فقد ارتأى أن يتوارى خلف صادق بوحدب: السارد
العليم المشارك بالحدث والفاعل والمنفعل فيه، الحامل للفكر التنويري وبالتالي
المعارض التلقائي لحالات التفرد بالقرار. والرافض لحلّ مجلس الأمة وهذا يعني أنه
من المدافعين عن حرية الرأي، لذلك لم يردّ على ما أصابه من أذى عبر صفحات الجرائد
وآثر العزلة عن الشأن العام، وهو الناجي من حريق الصاجّة أم حدب، الناجي من مستنقع
الجهل والخرافة في مدينة الطين دون أن يعرف ذلك إلا في الصفحة الأخيرة من الحكاية.
فهو بالتالي نتاج بدايات دخول الفكر التنويري إلى الكويت وهو من أوائل طالبي العلم
في أول بعثة رسمية إلى مصر. بهذا الإطار يمكن القول إن شخصية صادق بو حدب علامة
أساسية دالة على نقلة حضارية هائلة حدثت في هذا الساحل الصحراوي المسمى (دولة
الكويت)، تحكي هذه العلامة رحلة شاقة من الجهل إلى العلم، من واقع متخلف إلى واقع
خطى خطوات واسع تجاه التقدم والحداثة والتطور.
أما
اللبنة الثانية التي اختارها الكاتب فقد كانت حكاية سعدون: البذرة الشعبية
الأولى التي تحارب الجهل والخرافة بالعقل والمنطق، بفعل القراءة المستمرة ومحاولة
الاستنارة، والجديد على البنية المجتمعية بفكره وثقافته وهو في الوقت ذاته البرهان
على أن البنى المتماسكة لا يمكن تفتيتها إلا من الداخل وهو الدور الجوهري الذي
لعبه المتنورون الكويتيون الأوائل من أمثال يوسف بن عيسى ، ولأنه كذلك فمن الطبيعي
أن تخنقه تلك البنية المجتمعية الرافضة لأي جديد، فينبذه المجتمع بسبب سلوكياته
الخاصة وينبذه أباه ويطرده من البيت بسبب ضغط الأعراف والعادات التي تستند إلى
الدين بشكل مباشر، فنراه يموت وحيداً إلا من رفاقه. الذي يُشكل معهم نوعاً من
التوحد الإنساني العابر للأديان، ويدفن في مقرّ إقامته في ظل نخلة دون أن يُصلي
عليه أحد.
أما
الحكاية الثالثة والتي تُشكل منطلق الخط الدرامي ومنتهاه والهيكل العظمي لهذه
الحكاية الأسطورة فتتمثل بحكاية العنفوز والمولاف سهيل: والعنفوز سمكة جميلة
طالما هي داخل الماء، زرقاء مع بقعتين بلون أصفر، وعندما تخرجها من الماء يميل
لونها إلى الإعتام ويختفي بهاؤها أما المولاف فهو طائر يعود إلى عشه دوما ويهرب إن
ذهبت إليه، وقد اختزل سليمان هاتين الصفتين على مدى الأجزاء الثلاث للرواية، خرج
من (الديرة) فتبهدلت أحواله وأعتم حاله كما سمكة العنفوز وحسب نبوءة كبيرة
الصاجّات سيعود إلى بيته كما طائر المولاف، وتشكل أحداث حياته تقريباً مجمل حزمة
الأحداث التي تصوغ المعنى الأساسي للأسطورة. سهيل المتعلق ببنيته المجتمعية بكامل
أعرافها وتقاليدها والمتمسك بالوقت ذاته بعلاقته مع صديقه سعدون، سهيل الذي تطحنه
تلك البنية المغلقة بأوهام الصاجّات، في الوقت الذي يُختطف منه ابنه ليظهر في 1990
ككاتب تنويري متمرد، حاملاً فكرة التغيير في جيناته. وكذلك تأتي حكاية المرأة:
لتشكل في الرواية متن الأحداث كلها تقريباً ، بداية مع فضة وزواجها بسهيل ودور أم
سهيل في تنامي الأحداث وكذلك دور شريفة الطامعة بسهيل والمتحالفة مع الصاجة أم حدب
من أجل التفريق بين فضة وسهيل وكذلك دور مبروكة وعلاقتها بالدكتورة ألينور، حتى في
معركة الجهراء نجد لها حضورا ممثلاً بكبيرة الصاجّات وهي تبحث عن العباءة وتطالب
بإعادتها لصاحبها ( بودرياه) في البحر وتنقسم النساء بين طبقتين أساسيتين (العبيد
والأحرار) في حالة تداخل إنساني عام لكن في العموم تعكس المرأة البنية العقلية
للمجتمع المتمسك في ذلك الحين بأوهام السحر والخرافة لكنه تمسكاً واهياً فإن صدقت
(الصاجّة) يغنون لها ( صدقت) وإن كذبت يقولون لها (كذبت) .
حكاية
معركة الجهراء: هي أولى معارك العباءة بدلالتها البلاغية (التورية)
بمعنى آخر هي أولى معارك الجهل مع العلم الذي بدأ يتلمس طريقه في هذا المجتمع
المغيّب، لم تكن معركة -في ظاهرها- لأجل الأرض فقد ارتدى الجهل عباءة الدين وانطلق
ليحارب تدريس العلوم والحساب واللغات بعدما استولى على عباءة بودرياه والأسباب
التحشيدية الدينية حاضرة تماماً (بيوت بغاء، تواجد الخمور والدخان، تواجد الأجانب،
الآلات الموسيقية، تكفير الأتراك..). ولو اكتفى النص بالأسباب الدينية لكنّا أمام
تعمية تاريخية للأسباب الحقيقية لكن ذكر (تكفير الأتراك) يجعلنا نتوقف عند الأسباب
السياسية للحرب، ومن يرجع للتاريخ يجد أن كل ما ذكر من أسباب تتعلق بالدين ماهي
إلا غطاء للتلاعب بعواطف الناس وتحشيدهم ضد الكويت في حين أن الحركة الوهابية كانت
في بداية نهوضها كسلطة دينية مساندة ومشاركة للسلطة السياسية في المملكة العربية
السعودية وكانت المطامع بإخضاع الكويت للسلطة السعودية هي الهدف الحقيقي لها.
لقد
استطاع السنعوسي تحويل شخصياته وحكاياته اليومية والأسطورية إلى رموز سيميائية ذات
دلالة واضحة لتأكيد وترسيخ هويّة مجتمعه الكويتي المنسي والمُتجاهَل من قبل
الرواية العربية بحكم هيمنة مراكز القوة في الحياة الثقافية العربية بما يضرب
مفهوم المركز والهوامش، ويؤكد أن الإبداع الحقيقي ليس مرتبطاً بزمان أو مكان
محددين.
عبد الرحمن حلاق
ناقد وروائي - سوريا
[1] رواية أسفار مدينة الطين ط5 ثلاثة أجزاء – منشورات مولاف وداركلمات
للنشر والتوزيع 2025 الطبعة الأولى 2023





